ثقافة الموت

لا يمكن للمتتبع للتيارات الفكريّة الكبرى التي طبعت العصورَ الحديثة، على النطاق العالمي، ألا ينتبه إلى سلسلة مترابطة فيها من ” الميتات”.
ففي نهاية القرن التاسع عشر يفاجىء الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه قرّاءه بإعلانه “موت الإله”.
وفي أواسط السبعينات يطلع الفيلسوف الفرنسي ميشل فوكو على الناس بفكرة “موت الإنسان”.
وفي الفترة نفسها تقريبا يتجاوب معه الأديب رولان بارط فيرمي بمفهوم “موت المؤلف”.
وفي السياق نفسه والفترة نفسها يذهب الفيلسوف السيميائي جاك درّيدا إلى فكرة “موت الكلام”
وبعدهم جميعا يأتي فوكوياما ليرفع صوته بـ “موت الإيديولوجيا”.
        فأيّ موكب جنائزيّ هذا الموكبُ الذي اخترق الثقافة الغربية وجعلها من نعي إلى نعي في الاتجاه الذي يوهم بإسراع الوجود كله إلى الانقراض، حتى إذا كانت الكارثة لم يبق فيه مَن ينعاه؟ لم يأتها الموت، مثلما عوّدنا عليه التاريخ، من خارج الحدود. أتاها ممّا بنت عليه كيانها وأتته، خارج حدودها دائما وداخلها في بعض الأحايين، من فظاعات.
 
كدتُ أهتفُ، في هذا الظلام الدّامس وقد أصبح يلفّنا من جميع النواحي طبقات فوق طبقات، تفاعُلا مع “ربيع عربي” لم تُبشّر به أزاهيرُ الربيع أو يُعلنُ عن مقدمه خُطّافٌ واحد، قائلا: “الحضارات الناشرة للموت خارج حدودها لا منجاة لها منه، فهو مرتدّ، حتما، عليها بصورة أو بأخرى. أمّا الثورات الشعبية فتظل الاستثناء، الحيّ الذي لا يموت”.  
 
غير أن الاستثناء في المنطق الذي عهدنا، حتى أصبح من المسلمات، إنما يُؤتَى، في الغالب، به تأييدا للقاعدة لا نفيا لها. فها هو القتلُ في ما يخاله الكثيرون “ربيعا” يخيّم في ديارنا، يُرتكب أصالة وبالنيابة والوكالة، حتى إن ضحاياه (ومعظمهم جُزورٌ من المواطنين الأبرياء) لم يعودوا يكرّمون بشرف ” التشييع” أو حتى مجرّد ” النعي” (إلا إذا كان ذلك فُرْجَة خسيسة ونفاقا).
 
ثقافة الموت نغيٌ لثقافة الحياة كما أن ثقافة النكد إلغاءٌ لثقافة حبّ الحياة. وإذا كان القرن الماضي يُعدُّ، عند التأمل وبإجماع، “أفضلَ القرون، عند سوانا، وأسوأ القرون عند أعداء الموت أحباء الحياة” فإنّ قرننا هذا يتراءى، من بداياته، “أبشع القرون وأشنعها” عاجلا عند قوم وآجلا عند سائر الآخرين. ما دامت البشرية تفكر بمنطق ” القاعدة والاستثناء” فإن “العنف المتوحش وغير المتوحش” سيظل “قاعدة” و” السلم والسلام” “الاستثناء” المؤيّد لها.  
شارك في النّشرعلى المواقع الالكترونية ...
Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInEmail this to someone

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *