في التعليم

     يذكرُ المؤرّخون أن فرنسا عندما انهزمت أمام ألمانيا سنة 1870، قال مستخلصو الدروس من الهزائم:”لم ينهزم الجندي الفرنسي أمام الجندي الألماني، فالذي انهزم إنما هو المعلم الفرنسي أمام المعلم الألماني”.
كان ذلك في سياق اضطراب القوميات المتوجّسة من الآخر وطلبها السيطرة والغلبة والسيادة. تبعَ هذا التشخيص لأسباب الهزيمة إصلاح للشأن التربوي.
التعليم النظامي (الإلزامي والمجاني) ظاهرة جديدة دخيلة على الشعوب العربية. رأى فيه المصلحون، من بداية القرن التاسع عشر، سرّا من أسرار تقدم الشعوب فنادوا بالإقبال عليه.
    مع السبعينات، في تونس مثلا، جاءت الأزمات تباعا. جاءت من الشروع في تكوين الحكومات لطبقة برجوازية بالإقبال على الرأسمالية اختيارا مضمونا للنهوض. كان الفصل بين التكوين والتشغيل ثم كان التقليص المتصاعدُ من الاعتمادات المخصصة للتعليم. لم تعُد الدولة قادرة على مواجهة متطلبات الحشود الهائلة الوافدة على المدارس والمعاهد والجامعات. لم يستطع الاقتصاد اللبرالي (وكم هو رثّ، عندنا، وبائس وقائم على الحيف) استيعاب الخرّيجين.
 
    ارتأت الحكومات العالقة في هذا المشكل الحلَّ في التعليم الخاص متنفسا. واكبت هذا التوجّهَ “إصلاحاتٌ” سياسية بعيدة كل البعد عن القضايا التربوية الحقيقية. ابتدأ التعليم الخاص، وكان قد انطلق حلاّ لمشكل المطرودين من التعليم النظامي، في الانتشار واتسعت رقعته حتى أصبح ينافس للربح بشيء من التميّز. غضّت الحكومة النظر عن الدروس الخصوصية المزاولة في المنازل.
 
    في سنة 1989 جمع وزيرُ التعليم العالي المسؤولين وخبرات كثيرة من أهل الدار للنظر في إمكانية السّماح للتعليم العالي الخاص بالتكوّن (كان يشتغل بالفعل من قبل أن تصدر المصادقة عليه). قال أحد المتدخلين من بناة الجامعة التونسية مخاطبا الوزيرَ والجمهور:” التعليم العالي بمثابة الجيش الحامي للأمّة. والتعليم الحرّ بمثابة الجندي الأجنبي فيه” وخنقته العَبرة. ضحك كثيرون من مثالية هذا الرجل الذي تجاوزه، في نظرهم، التاريخ.
 
     أصبح التعليم الحرّ منافسا للتعليم النظامي. والحكومة لا تجهل، مع ما اعتادت عليه من تجاهل لأمهات المسائل الوطنية، أن التعليم الخاص تقوم به خبرات دفعت المجموعة الوطنية غاليا تكلفة تكوّنها. كان الدخول إلى منطق السوق (السّلعة والرّبح والتنافس لكن على النحو الرث المعهود في دول الاستبداد) بالاعتداء على أبجدياته.
 
    غابت الأهداف التربوية وملاءمتها مع الحاجات الوطنية وحلت محلها “المهارات”. لم يكن للتدهور حدّ. انحدرت المنزلة الاجتماعية والعلمية التي كانت للمربين في جميع المستويات. دخلت أعداد هائلة منهم في منطق “تدبير الرأس” أو “ذراعك يا علاّف”.
 
ما نشاهده اليوم لا توجدُ له صفة أخرى غير الإفلاس.
لا أعتقد أن الوصول بالصراع الناشب اليوم بين طائفة من أهل التعليم وسلطة الإشراف، وهو جزء ضئيل جدا من واقع بائس ومحزن، إلى حل من الحلول بقادر على إصلاح قطاع اهترأ ماديا ومعنويا. ذلك أن ممّا لا يجهله عام وخاص أن “المعرفة تصنع الثروات وأن الثروات لا تصنعُ المعرفة”.
 
     ما تحتاج إليه بلادنا، في الوضع الهش والممزق والمتردّي الذي وجدت نفسها فيه، قد يتلخّص في تكوين “جهاز وطني” (لا على غرار إذا أن تجهز على مسألة كوّن لها لجنة) يروّي التفكير في وضع الأسس لتغيير شامل للمنظومة التربوية يكون للمربين فيه دور فعال. وليأخذ هذا الجهاز وقتا كافيا للتفكير. وليقلع عن ” الاستئناس ” (وهو في الحقيقة ينقل نقلا حرفيا، شأن الأغبياء من التلاميذ، ولا يستأنس) بتجارب الآخرين أو الاستعانة بخبرائهم.
 
    مشاكل التعليم في مراحله الثلاث معروفة لدى الممارسين له، لدى أولياء التلاميذ، لدى الحكومة ومؤسساتها ولدى المجتمع. معروفة من بناءاتها المتداعية للسقوط إلى خلوّ برامجها من التكوين الصالح للاستعمال وضعف مستوى إطارها المكوِّن ونقص اعتماداتها. أما المجهول فهو الوسائل التي تستردّ بها الحياة الملائمة للدور الذي تنتظره منها المجموعة الوطنية. وهذا يكون خارج المطلبيات الضيقة والمرامي الحزبية والخرق الفكري المتعلمن المقيم في القنوات التلفزية وخارجها.

    مع ما يُصطلح عليه بالاستقلال السياسي راهنت النظم الحاكمة على التعليم أداة لمقاومة التخلف والجهل وإدراك التقدم والنهوض. انتشر التعليم. ساعد على انتشاره انغراسُه في تاريخ تلك الشعوب بجذور بعيدة واعتباره سُلما للرقي الاجتماعي مضمونة.

شارك في النّشرعلى المواقع الالكترونية ...
Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInEmail this to someone

رأي واحد حول “في التعليم”

  1. لا مناص لإصلاح التعليم إلاّ بتوفّر إرادة سياسيّة قويّة. وفي ظلّ غياب هذه الإرادة السياسيّة لا مفرّ لأهل التعليم والمعرفة من خوض تجربة السياسة. حزب سياسيّ تعليميّ إصلاحيّ يترأسه جمع من أساتذتنا الأجلاّء وتعضده قناة تلفزبّة وصحيفة ومجلات تروّج لهذا المشروع الوطنيّ بما "يفرض" على الحكومات المتعاقبة أن تتبنى المشروع الإصلاحيّ. لقد حان الوقت كي يدافع رجل المعرفة عن وطنه وأن ينخرط في لعبة السياسة فيوجّهها الوجهة الصحيحة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *