ليس أوكد منه

       الذي يتابع ما يجري بتونس منذ انهيار نظام ” التجمع” تستوقفه ظاهرتان بارزتان متلازمتان. الأولى انقسام المجتمع إلى شقين متنافرين، والثانية خلوّه من المفكرين القابلين لأن تسمع كلمتهم حتى يساعد نفسه على الخروج من الهفهوف الذي وحل فيه.

     أما انقسام المجتمع إلى شقين متنافرين فهو ليس بالجديد. كان موجودا من قبل الاستقلال واستمر في العهدين البرقيبي والعهد الذي تلاه غير أنه لم يكن شديد الظهور، ففرض الرأي الواحد والاختيارات الواحدة وإلجام الآخر عن الكلام  قد جعله يتحرك في الظل أو في صيغة الموجود كالمعدوم. وعندما انهار النظام  برز الشقان.

     بدا أحدهما واعدا بتخليص البلاد من الفساد والاستبداد فارتقى بحركة “النهضة” إلى الحكم. هذا الشق يرفع عاليا الرجوع إلى الهوية والأصالة ويدعو إلى النظم الإسلامية مثلما نحتت معالمها وأقامت بنياتها النصوص الفقهية. لم يتجنب هذا الشق، رغم إمساكه بالسلطة، الفساد والاستبداد رافعا الصوت بالوصول إلى طرد المختلفين معه من البلاد أو محققهم أو إلغاء وجودهم تماما.

     أما الشق الثاني، وقد بدا محشورا في الصف المهزوم والمدحور أوالفاشل والمنبوذ، فيعتقد في الاستمرار في التحديث بتلافي المعوقات التي عطلته. ما هي، حسبه، إلا عثرات في الطريق. وهو يرى أن ما يدعو إليه الشق الأول لم يعد صالحا للحياة اليوم. وقد نما هذا الشق، مستفيدا من فرص التعبير عن ذاته، لكن خارج التنظيمات الحزبية، أعني في المجتمع المدني وزادت الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها النهضة من اتساعه.

     الشقان متنافران والصراع بينها يظهر في جميع المناسبات، التافهة منها والكبيرة، من اللباس إلى السلوك اليومي إلى العنف السافر والوعيد حتى التحرّق إلى الفتك والمحق.

     لا يمكن، لا كميا ولا نوعيا ولا بحكم المعطيات القائمة في المؤسسات بأنواعها، لهذا الشق أو ذاك أن يتغلب على الآخر أو أن يمحوه كليا من الوجود بالبلاد.

في هذه الحالة لم يبق سوى التعايش بين الشقين. والضامن الوحيد للتعايش بينهما هو “التسامح”.

     ثقافة التسامح هي الغائب الكبير عن بلاطوات الحوار والصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. كل يتغنى بمحاسن ما يؤمن به. كل يدعو إلى ما يعتنق ويبشر به  ويشتم ويشنع، بالكذب، غالبا، والتهويل والمبالغة والاختلاق والاتهام، معتقد الشق الآخر. كل يحشد الصفوف ليوم تصبح فيه المواجهة المسلحة شاملة.

     التسامح أن تعترف للآخر بحقه في أن يختلف عما اخترته أنت لنفسك وارتضيته لها. أن تقتنع بأن عقله ليس أقل من عقلك. ألا تتمنى له الهلاك وألا تسعى إليه. أن تعترف له بالحق في الوجود الذي تعترف به أنت لنفسك.  ألا تستوحش منه، ألا تددير له ظهرك. ألا تلعنه أو تزدريه. بينك وبينه شيء واحد هو أن تتعايشا بحكم أنكما وجدتما في بلد واحد. مصلحة البلد التي هي مصلحتكما معا هي التي تجمع بينكما.

     من غير شك يبدو هذا الكلام سخيفا في ظرف تقرع فيه الطبول والدفوف ويستعد كل فيه للمواجهة. وقد رأى الجميع، وما لم يشاهد بعد أو يُعرف أفظع، إلى أين وصلت البلدان التي انتقلت من النفير إلى الحرب. الحرب لم تعلن على نفسها حربا بعد في بلادنا ولكن الذين يدفعون نحوها كثيرون، كثيرون في الشقين المتنافرين جميعا، وإن الحرب أوّلها كلام.

شارك في النّشرعلى المواقع الالكترونية ...
Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInEmail this to someone

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *