هل وصلنا إلى مصادرة الأفكار؟

     عندما تطلع علينا وسائل الإعلام بأن ” المجلس الإسلامي الأعلى”، بعد أن سكت دهرا، قد نطق فكفر ” يوسف الصديق” وزندقه بما يجعل جميع أعضائه ضالعين في ما قد يلحقه من أذى، لا يمكن للمرء إلا أن يصاب بالاندهاش والذهول. لا يمكن له ألا يتساءل عن الزمان الذي هو فيه ما إذا كانت شمسه ما زالت تشرق من الشرق.
     فيوسف الصديق من ” حملة القرآن” الكريم. حمله في زمن كان بعض الذين يتكوّن منهم هذا المجلس بعيدين عن ” التزبّب” ( على افتراض أن منهم من قد تزبّب لاحقا مجاراة للموضة الصّاعدة) في أيّ باب من أبواب المعرفة أو أيّ مذهب من المذاهب. وهو في ما تلقاه من علم نابغة ألمعي يشهد له بذلك عام وخاص من الذين تعلم عليهم أو زاملوه على مقاعد الدراسة أو قاموا بتعليمه. وهو متبحّر في الفلسفة أخذها، قبل أن تَرِد عهود التصحّر والبلادة الفكرية التي نعيش اليوم نتائجها الكارثية، عن آخر المفكرين العالميين الكبار عارف بخبايا الحضارة المعاصرة وبمواطن القوّة والوهن فيها.
     ويوسف الصديق له كتابات كثيرة منشورة باللسانين الفرنسي والعربي ضمّنها آراءه في واقع العرب والمسلمين ورؤاه في ما يحسن بهم الإقدام عليه من معاودة النظر في الموروث الثقافي وفي كثير من الاجتهادات البشرية السابقة التي أصبحت في مقام المسلّمات حتى يكون إسلام اليوم وغدا متصالحا مع زمانه فاعلا فيه الفعل الإيجابي.
    والفهم الذي ينادي به يوسف الصديق للإسلام هو الفهم الذي يرى فيه اكتمال “إنسانيته” السامية. تلك الإنسانية التي ألّفت عليه القلوب تأليفا منذ ابتدأ أمره وضمنت له انتشارا كبيرا لدى شعوب كثيرة. ومن هذه الشعوب ما لم يُفتح بالقوة أو يُخضع بالسيف. جلبها إليه  فأسَرَها ما في تعاليمه من سمح القيم ونافع التعاليم.
     قد يختلف هذا الفهم ” الإنساني” للإسلام عن بعض الاجتهادات والمواقف التي أفرزها التاريخ وقد يتصادم معها، إلا أنه يختلف ويتصادم مع تخريج بشري من القرآن لا مع القرآن نفسه أو مع هو جوهري ثابت من أركانه. وبينما تتعلق الثقافة ” الببّاغوية” بالشكليات والجزئيات لتخلط بينها وبين الجواهر يسعى الفكرُ المتحرّرُ من سلطة النصوص البشرية إلى أن يُرجع للإسلام توهّجه راقيا بفهمه إلى الأدوار السامية التي اضطلع بها.
    وهذه في الحقيقة مسائل قابلة لأن يجتهد فيها ذوو الألباب من المفكرين والعلماء. فأي فهم للإسلام اليوم يحتاج المسلمون؟ وهل يمكن، في عصر انتشرت فيه القراءة على نحو لم يسبق له مثيل، أن تظل المعرفة بالدين يحتكرها شيوخ متمكنون من علم الرواية دون الدراية بل إن منهم مَن أشباحُهم بيننا وعقولهم في القرون الوسطى؟
    من مزايا الإسلام المكوّنة لعظمته أنه دون ” كليرجي” وأن علاقة الإنسان فيه بخالقه لا تمرّ بالوسائط البشرية. فهل يعقل أن ينصّب بعض الناس أنفسهم عليه أوصياء ليفتوا في أيّ المؤمنين صادق الإيمان وأيّهم في قلوبهم مرض؟
    إذا كان في ما يقوله يوسف الصديق ” تحريف أو سوء فهم أو غلط في التخريج” فأي المواقف منه هو الصواب؟ أن يردّعليه، وما في الردّ عليه ردٌّ على خاملٍ، ويكشف عن وجوه الوهن في الرأي الذي يذهب إليه أم أن يكفّر ويزندق ويُرمى بهذه التهمة أو تلك؟  ألا يذكرنا هذا الموقف الثاني بـ” ديوان الزنادقة” ( في عهد الخليفة المهدي والمعروف تاريخيا أنه قد صفّيت به خصومات سياسية لا علاقة لها البتة بالدين)، وبعصور التفتيش في السرائر وصكوك الغفران؟
    الحقيقة أن ما يجري بتونس اليوم تحار في فهمه الأذهان! لكن السكوت على هذا الذي يجري من عجيب العجائب والغرائب لا يمكن، بحال من الأحوال، أن يستسيغه عقل أو يرتاح بعده ضمير. فليتحمّل كل مسؤوليته إزاء ” إسلام” يظلّ الجميع. فأن تحتكره طائفة من الطوائف أو أكثر لتجعل منه ما هو مشاهد هنا وهناك من مناطق التوتر بالعالم العربي والإسلامي، مانعٌ له، ما في هذا من شك، في أن يستمرّ ” نبراس هدى ورحمة للعالمين”.
    ملاحظة: رأيت، قبل الفراغ من هذا الكلام، أن الحكومة قد أعفت رئيس المجلس الإسلامي الأعلى من مهامه. وهذا، إن صحّ، إجراء طيب ولكنه غير كاف فداء الثقافة الببّغاوية قد أصبح عضالا يُخشى منه، لا سمح الله، على الإسلام نفسه.

شارك في النّشرعلى المواقع الالكترونية ...
Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInEmail this to someone

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *