أدب المواقع الاجتماعية: بحث عن الحلم وخروج من الواقع

شهدت العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين وضعَ آليات للتواصل بـ”الويب” تقوم على التفاعل والتشارك وتفسحُ مجالا واسعا جدا لمستعملي المواقع الاجتماعية. وقد عرف الوسيط الجديد لهذا التواصل الرقمي أنواعا مدهشة من الإبداع والابتكار والتوزيع أدخلت تحويرا عميقا على أنماط التواصل الثقافي التقليدية.
كانت الانطلاقة، بالنسبة إلى الأدب، من العالم الأنجلوسكسوني عندما ظهرت فيه مواقعُ من قبيل “أمازون”Amazon و“لايبرري ثنك”Librarything و “قودريدز” Goodreads. فقد كان من المتوقع أن يؤدي الانتشار الواسع الذي شهدته موضوعات من قبيل الأخبار الفردية الصغيرة والخدمات الاجتماعية أن يفطنَ بعضُ الأدباء أو المشتغلين بالأدب إلى أنه يمكن الاستفادة من الأنترنيت في عرض نصوصهم الإبداعية أو آرائهم في ما ينشر من أعمال ويقام من تظاهرات ثقافية.

وظيفة الأدب (5): هل الحرية أرقى من الحقيقة؟

سبق أن ذكرنا أن الحقيقة، في أقدم معانيها وأبسطها وأقربها إلى الأذهان، هي المطابقة بين الفكرة التي في الذهن والأشياء أو الظواهر التي تتعلق بها. ينتج عن هذا أن الرأي يكون صادقا متى كان مطابقا للمتعلق به ويكون كاذبا متى لم يكن كذلك. غير أن لمختلف العناصر التي يتكوّن منها الوجود، حسب هذا الفهم، ظاهرا متحوّلا وجوهرا ثابتا. لهذا عدّت الحقيقة علاقة تطابق بين الفكرة عن الشيء وجوهره الثابت.

وظيفة الأدب (4): إبداع المستقبل؟

إذا كان الأدب، في السرد كما في غيره من أجناسه، يستعمل الاختلاق والتخرّص والتوهم والخيال في صنع عوالمه غير ملتفت إلى الواقع أو آبه به وذلك للقطع مع “المحاكاة” التي أحكمت تبعيته لما هو خارج عن نطاقه ورسخت خضوعه له، فأيّ الوظائف يمكن له أن ينهض بها؟ ألا يسلم هذا إلى أنه ضرب من اللعب بالكلام لا نفع له ولا حقيقة يفصح عنها؟

وظيفة الأدب (3): الحقيقة والقول باللزوم؟

أن نجعل الأولوية في الاهتمام بالأدب لمكوّنات نصوصه وتفاعل بعضها مع بعض في النهوض بوظيفته أو نعدّ معناها مضمّنا ببنياتها المادية، افتراض يعسر الوصول منه إلى “الحقيقة” التي يحملها. فهل في الأعمال السردية حقيقة تفصح عنها والحال أن حقيقتها انصراف عن الواقع وقلة احتفال به؟ وأين تكمن هذه الحقيقة والأدب، في نظر الحداثة مجسّمة في البنيوية مثلا، لا يحاكي العالم خارجه وإنما يبدع، بتقنياته الفنية وطرائقه، عوالم مختلقة و متخيّلة متوهّمة يصنعها. وهل يمكن للطرائق الفنية أن تحمل حقيقة أو تفصح عنها؟ قد اعترضت الحداثة على نظرية “المحاكاة” وطعنت فيها كاشفة عن أن الأدب اختلاق وصنع فمكنت، بذلك، من مكاسب لا تنكر واعترضتها عقبات شاقة.

وظيفة الأدب (2)، هل في الأدب “حقيقة”؟

تُعرّف الحقيقة، من عهد أرسطو، بأنها علاقة تطابق بين الرأي أو الفكرة التي تـُحملُ عن شيء من الأشياء أو ظاهرة من الظواهر وما هي عليه. ومع أن الناس قد اعتادوا على أن يحملوا عن العالم والوجود والواقع والأشياء والظواهر أفكارا وآراء يعبّرون عنها بالكلام حتى لم يعد ذلك يثير فيهم تساؤلا فإن ما لا يمكن فهمه، حسب إنشتاين مثلا، أن “يكون العالم قابلا للفهم”. ودون الدخول في تفاصيل ما يبحر فيه المختصّون في نظريات المعرفة من نقاش في إمكان هذه المطابقة بين فكرتنا عن الشيء والشيء نفسه أو استعراض الشروط التي وضعوها لها حتى تكون “الحقيقة” حقيقة، نكتفي بالتذكير بأن معظم الحقائق إنما توصِلُ إليها العلوم بالملاحظة والتجربة والتثبت وصوغ القوانين. وكانت البشرية قد مرّت، في ذلك، بمراحل وعهود كثيرة أوصلت إلى أن أصبح “العلم” متحكما في الطبيعة والحياة على نحو لم يعد قابلا للاستغناء عنه.

وظيفة الأدب؟ (1)

من الآراء التي تروج بين الحين والآخر، في كثير من الأوساط، أن “الأدب” لا وظيفة له، فهو فاقد للفائدة يكاد لا يصلح لشيء. وإذا كان قد نهض، مثلما اعتقد كثير من النقاد القدامى والمعاصرين، يونانيين وعرب وغربيين، بوظيفتي الإفادة والإمتاع فإن ذلك النهوض، مع ما تخلله من مبالغة في تضخيمه، قد انحسر، اليوم، إلى حيّز شديد الاقتراب من الانقطاع والامّحاء. فالنفع أصبحت تنهض به قطاعات علمية ومعرفية متنوّعة والإمتاع أصبح منوطا بفنون كثيرة عتيقة ومستحدثة.

الحرية في حالة ممارسة

إذا كان الأدب مثلما يتجسّم في الأعمال الأدبية يختص، من بين ما يختص به، بامتناعه عن “التعريف” الذي يحوزه ويميّزه عما يشتبه به من سائر أجناس الكلام وسائر النشاطات الفنية تبعًا لاشتراكه معها في بعض الخصائص الثانوية، فكلما وضع العلماء والباحثون له تعريفا ألفوا قسما وافرًا من الأعمال التي عدّت، ذات يوم أو تعدّ على امتداد الأزمان، منه لا تستجيب إلى الامتثال له حتى انتهى بعضهم إلى الإقرار بأنه “ممّا يُعرَف ولا يُعرّف” فإن النتيجة التي ترتبت على ذلك قد تمثلت في أنه، في حقيقة المفهوم الذي يتلاءم معه، انفتاح دائم من الماضي على المستقبل بفضل ما يتيحه ذلك من إمكان استقباله لما قد يحدث من نصوص قابلة لأن تدخل فيه.

مسألة القيمة

للقيمة منزلة في تاريخ التعامل مع الأدب لا تخلو من غرابة. فهي، من ناحية أولى، وراء ما تُمْنَى به الأعمال الأدبية من شهرة وانتشار أو إهمال وترك. ذلك أن الحكم الذي يصدر في الأعمال الأدبية يُسهم، إلى حد كبير، في تحديد مصيرها. وهي، من ناحية ثانية، ممّا يمعن الباحثون في تجنبه مدّعين أنها تغرق في الذاتية لكثرة ما يدخل فيها من انفعال وانطباع وتذوق وهذه جميعا مما لا يمكن درسه موضوعيا أو الوصول فيه إلى نتائج مقنعة أو قابلة لأن يتمّ التثبت منها. ومما يستدل به على فساد التعويل على الانطباع والانفعال والتذوق أن آداب الشعوب لم يتفق أهلها، في العصر الواحد والعصور المختلفة، على أفضل الأشعار أو الشّعراء أو الروايات أو الروائيين…وذلك لأن هذا النوع من ردود الأفعال سريع التحوّل والتنقل لدى الفرد الواحد والجماعات. ومن هنا أعلن كثير من الباحثين أن “القيمة” لا تصلح لأن تكون مبحثا قابلا للمعالجة العلمية فزهدوا فيها وأمعنوا في الانصراف عنها.

أثر الخاصية الخاصّة بالأدب في ماهيته ووظائفه

لم يكن الوعي بعلاقة الشّعر باللغة التي يعتمدها مادة أولى غائبا تماما عن تفكير العلماء قديما وحديثا في هذا الجنس من الكلام، فقد عرض لها عددٌ وافر منهم في عدد لا هو بالقليل ولا بضئيل الأهمية من أنواع المصنفات والدراسات. غير أن اهتمامهم بها جاء، في الغالب، عرَضا لا يرقى إلى السّعي إلى التهذيب والتعميق إلا في السنوات الأخيرة.

الخاصية الخاصّة التي يتميز بها الأدب

يعدّ الأدبُ من النشاطات البشرية التي تعتمدُ اللغة مادةً أولى لها. لهذا رأى فيه بعضُ العلماء نظاما دالا يستعملُ نظاماً دالا آخر. وهو، بناء على هذه الخاصيّة، يضطلع، عندهم، بوظيفة الإبلاغ نظرا إلى أن نصوصه تحملُ رسائل من صانع الكلام إلى متلقيه ناقلة معرفة وإخبارا. وهذه الرسائل هي ما يصطلح عليه بالمعنى. غير أن نصوص الأدب تحتفي، في نقلها للمعنى، بمظهر جمالي يقوم على صياغة اللغة صياغة فنية وهو ما اصطلح عليه بالبلاغة. وتتجلى البلاغة في اختيار للألفاظ والتراكيب على نحو يتجاوز حمل المعنى إلى التأثير في المتلقي بإحداث شيء من الانفعال فيه سمّاه بعض القدماء من أسلافنا، من بين ما سمّوه به، “تعجيبا” يحدثه “التجويد”. ومن هنا كان الذهابُ إلى أن الأعمال الأدبية تجمع بين “الإبلاغ” و”البلاغة” فهي تنقل رسالة وتتأنق في نقلها على النحو الذي يحرّك الانفعال بقوّة الحسن والجمال.