ثقافة الموت

لا يمكن للمتتبع للتيارات الفكريّة الكبرى التي طبعت العصورَ الحديثة، على النطاق العالمي، ألا ينتبه إلى سلسلة مترابطة فيها من ” الميتات”.
ففي نهاية القرن التاسع عشر يفاجىء الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه قرّاءه بإعلانه “موت الإله”.
وفي أواسط السبعينات يطلع الفيلسوف الفرنسي ميشل فوكو على الناس بفكرة “موت الإنسان”.
وفي الفترة نفسها تقريبا يتجاوب معه الأديب رولان بارط فيرمي بمفهوم “موت المؤلف”.
وفي السياق نفسه والفترة نفسها يذهب الفيلسوف السيميائي جاك درّيدا إلى فكرة “موت الكلام”
وبعدهم جميعا يأتي فوكوياما ليرفع صوته بـ “موت الإيديولوجيا”.

في الثقافة والتوحش

المتاحف والمكتبات والمعالم والفنون أو ما يصطلح عليه بـ”التراث الثقافي الماديّ وغير الماديّ” كنوز لا تقدّر بثمن. لها من الدلالات ما يطلبُه منها أيّ كان حسب العقيدة التي يعتنق والمذهب الذي يتمذهب به والمتعة الفنية التي يطلبُ والمنفعة التي يرجو.

رفقاً بالعقول…لا تزداد تلوّثا (3)

لماذا لا ينبغي للشعوب ألاّ تنتظر من المثقفين إلاّ أن يعرضوا عليها وجهات نظرهم في ما يطرحه الواقعُ من مسائل وقضايا عرْضًا هادئا بعيدا كل البعد عن التبرير والدعاية والتزيين وخاليا خلوًّا تامًّا من أيّ إزراء بالرأي الآخر أو تحقيره أو التشنيع به أو بالقائلين به؟
ليست المسألة، مثلما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، مسألة “تأدّب” ساذج أو مجرّد “تخلـّق شكلي” بأخلاق العقلاء، فالجوابُ عن هذا السؤال إنما يُسْتمَدّ، عند التحقيق، من عوامل وأسباب جوهرية عديدة ومتنوّعة.

في الذي تنتظره الشعوب من المثقفين (2)

تطلق كلمة الثقافة، في أبسط معانيها وأقربها إلى الأذهان، على ما تضيفه البشرية للغريزة والطبيعة. وتعني، اجتماعيا، ما تشترك فيه وتتميز به مجموعة من الناس ويخلق بين أفرادها لحمة. وتهدف، عموماً، إلى ضمان الاستمرار بتيسير العيش في العالم وتحسينه والاستفادة من خيرات الطبيعة والتوقي ممّا تنطوي عليه من مضار وآفات. إنها، بهذا المعنى الواسع، تشمل علاقة الفرد بنفسه وبغيره من الأفراد والجماعات وبالمحيط الذي يوجد فيه بل بما وراء ذلك كله من تصوّرات وعقائد، ففيها تندرج الفنون والآداب وأنماط العيش وحقوق المواطنين الأساسية وسلم القيم الدينية والأخلاقية والعادات والتقاليد.

في المثقف من هو؟ (1)

يتردّدُ كثيرا في تونس اليوم أنّ “السياسة ابتلعت الثقافة” وأن “المثقفين قد خذلوا الثورة”. وبينما تسعى المقالة الأولى إلى تشخيص حال أو وضع في واقع متحرّك لم ينل الشأنُ الثقافيُّ فيه ما يستحقه من عناية، تتجه الثانية إلى تحميل هذه الفئة الاجتماعية قسطا وافرًا من المسؤولية عمّا تتردّى فيه البلادُ، يوما بعد يوم، من ارتباك أصبح، في تصاعده المستمر، يتراءى مشرفاً بها على الهاوية. وحتى نفهم الانتشار الذي تعرفه المقالتان يحسُن أوّلا أن نتساءل عن “المثقف” من هو لننظر، بعد ذلك، في ما ينتظره منه المجتمع الذي يعيش فيه أثناء المراحل المضطربة التي يمرّ بها من تاريخه.